مؤسسة مولاي عبد الله الشريف
أنت غير مسجل في المنتــــدى لن تتمكن من رؤية الروابط عرف بنفسك
بالضغط على :دخول
او إضغط على:تسجيل--ان كنت لم تسجل بعد--
او الغاء ان كنت تحبد التصف فقط .



 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
باسم الله الرحمان الرحيم ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

شاطر | 
 

 دور العقيدة في يناء الانسان(بحث تهيء رسالة)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ben tayib
Admin
avatar

عدد المساهمات : 171
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 18/12/2010
الموقع : oua_ah@yahoo,fr

مُساهمةموضوع: دور العقيدة في يناء الانسان(بحث تهيء رسالة)   الجمعة 18 مارس 2011, 04:26

دور العقيدة

في بناء الاِنسان
مركز الرسالة
===============
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المركز
الحمدُ لله ربِّ العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على محمد المصطفى الاَمين وآله الطيبين الطاهرين ، وبعد :
إنَّ نظرة الاِنسان إلى الحياة والكون ومفاهيمه في شتى المجالات بل وحتى عواطفه وأحاسيسه كلها تدور حول محور العقيدة التي يتبناها ، والتي تسهم في بنائه الفكري والاَخلاقي والاجتماعي ، وتوجيه طاقاته نحو البناء والتغيير .
وإذا كانت المدارس الوضعية قد حققت بعض النجاح في ميادين الحضارة المادية، فقد أثبتت فشلها الذريع في تلبية حاجة الفرد لحياة كريمة حرّة من قيود الابتذال والفجور ، فكان التفسّخ الاَخلاقي والانحدار الخلقي والتفكك الاُسري والفراغ العقائدي ، هو أبرز معطيات الحضارة المادية التي صنعها الاِنسان على صعيد الحياة الفكرية والشخصية والاجتماعية .
ولقد اقتضت حكمة الخالق تعالى أن يرشد الاِنسان إلى الجذور والاُصول التي يستقي منها معارفه وينهل منها حقائق هذا الوجود ليصل من خلالها إلى المعتقدات الصحيحة السليمة من الشوائب والبعيدة عن الانحراف بعد أن منحه تعالى الفطرة الصافية مشعلاً يهديه إلى النور ، نور العقيدة الاِسلامية الحقة الذي أضاء بسناه ماحوله .
ومتى ما حكّم الاِنسان عقله يرى أنّ العقيدة الاِسلامية تشكّل نظاماً متكاملاً للحياة البشرية بمختلف أطوارها ويرسم الطريق لكلِّ جوانبها وينسجم مع الفطرة الاِنسانية ويضمن تحقق حاجات الفرد الروحية ورغباته المادية بشكل متوازن ودقيق ، وبما يضمن كرامته وشخصيته .
وعلى قواعد هذه العقيدة يقوم بناء الشخصية ، شخصية الفرد والمجتمع والدولة الاِسلامية ، وتنتظم العلائق والروابط ، وتتحدد الحقوق والواجبات، وتتحقق العدالة والمساواة ، ويستتب الاَمن والسلام ، وينشأ التكافل والتضامن ،
===============
( 6 )


وتزدهر الفضائل والمكارم ، ويُبنى الاِنسان على كافة الاَصعدة .
فعلى الصعيد الفكري أخرجت العقيدة الاِسلامية الاِنسان من عالم الخرافات والجهل لتأخذ بيده إلى دنيا العلم والنور ، محفّزة الطاقات الكامنة فيه للتأمل والاعتبار بآيات الله ودلائله ، وبذلك فقد نبذت التقليد في الاعتقاد وربطت بين العلم والاِيمان .
وعلى الصعيد الاجتماعي استطاعت العقيدة الاِسلامية أن تسمو بالروابط الاجتماعية من أُسس العصبية القبلية واللون والمال إلى دعائم معنوية تتمثل بالتقوى والفضيلة والاَخاء الاِنساني ، فشكّل المسلمون خير أُمة أُخرجت للناس بعد أن كانوا جماعات متفرقة متناحرة .
وعلى الصعيد الاَخلاقي نجحت العقيدة الاِسلامية في تنمية الواعز الذاتي القائم على أساس الاِيمان برقابة الخالق جلَّ وعلا لكلِّ حركات الاِنسان وسكناته وما يستتبع ذلك من ثواب وعقاب ، الاَمر الذي أدى إلى تعديل الغرائز وتنمية شجرة الاَخلاق الفاضلة وجعلها عنصراً مشتركاً في جميع الاَحكام الاِسلامية .
كما أسهمت العقيدة الاِسلامية في بناء المجتمع اقتصادياً وسياسياً وتربوياً ، وبذلك فهي تمثل عنصر القوة في تاريخ الحضارة الاِسلامية .
فلاَجل النهوض بالاِنسان المسلم من حالة الضعف الروحي والانزلاق في مهاوي المادية ومغرياتها ، لا بدَّ من تذكيره بمعطيات تلك العقيدة ، وترسيخ قناعته بقوتها وصلاحيتها لكلِّ العصور بلغة معاصرة ، وبشكل يتناسب مع مقتضيات العصر الحديث ، والتحليل الفكري .
وإصدارنا هذا يوضح لك هذه الحقائق بشكل جلي معتمداً البحث والتحليل الفكري بإسلوب سهل ممتع وعرض علمي قويم يبتعد بالاَفكار عن مهاوي الانحراف وأوهام الخيال، ويقودها إلى الحقائق الناصعة والاَدلة الساطعة .
فلله الشكر على ما أنعم وله الحمد على ما وفق وهو المستعان
مركز الرسالة
===============
( 7 )


المقدِّمة



أكثر ما يهمّ الاِنسان في الحياة هو أن يعرف حقيقة مبدئه ومعاده ، والغاية من وجوده ، ومن أين جاء ، وإلى أين ينتهي ، ولماذا وجد ؟
هذه الاَسئلة التي يطرحها الاِنسان على نفسه على الدوام ، تحتاج إلى إجابات شافية ، لكي يتخذ الاِنسان على ضوئها موقفاً من الحياة ، يحدد سلوكه ، ويقيم لمجتمعه نظاماً صالحاً يرتضيه .
ولقد فشلت العقائد الوضعية في الاجابة على استفهامات الاِنسان المتعلقة بمبدئه ومعاده ، ومبرِّر وجوده ؛ مرَّة من خلال الادعاء بأنَّ الانسان وجد صدفة ! ومرَّة أُخرى من خلال الزعم بأنّه وجد نتيجة لتطور المادة !!.. وما إلى ذلك من تفسيرات واهية لا تُسمن ولا تغني من جوع الاِنسان وتعطشه الاَبدي لمعرفة الحقيقة.
وليس هذا فحسب ، بل فشلت أيضاً في رسم معالم النظام الاجتماعي الذي يصلح الانسان ويحقق سعادته .
وبينما أجابت العقائد الدينية المحرَّفة إجابات باهتة ومشوهة ، عندما أقرّت من حيث المبدأ بوجود الخالق ولكن شبّهته بخلقه ، كما فشلت في تحديد النظام الاَصلح للبشرية ، أجابت العقيدة الاِسلامية عن كلِّ ذلك بمنتهى الصدق والعمق ، عندما أعلنت أنّ للاِنسان خالقاً حكيماً قادراً
===============
( 8 )


لايُنال بالحواس ولا يقاس بالناس ، وأنّ الاِنسان وجد لغاية سامية وهي عبادة الله تعالى والوصول من خلالها إلى أرفع درجات التكامل والخلود .
كما تولِّد هذه العقيدة أيضاً عواطف وأحاسيس خيِّرة ، يتبنى الاِسلام بثها وتنميتها من أجل بناء الاِنسان الكامل في الاَبعاد الفكرية والاجتماعية والسلوكية ، وتكوين الشخصية العقائدية التي تتمتع بعقلية هادفة وسلوك قويم ، واتجاه رسالي ، على العكس من الشخصية اللامنتمية ، التي تنصبّ اهتماماتها جميعاً على الذات ومصالحها ورغائبها ، فتعاني من الفراغ العقلي والتأزم النفسي وفقدان الهدفية في الحياة .
وينبغي الاِشارة هنا إلى أنَّ العقيدة الاِسلامية ليست كعقيدة الفلاسفة ـ باعتبارها نظرية فكرية تقبع في زوايا الدماغ ـ بل هي قوة تتحرك في القلب وتنعكس ايجابياً على النَّفس والجوارح ، فيندفع معتنقها إلى ميادين الجهاد والعمل، وعليه فقد كانت قوة فاعلة ومحرِّكة ، غيّرت مجرى التاريخ ، وبدّلت معالم الحضارة ، وأحدثت في حياة الاِنسان الاجتماعية والفكرية انقلابات رائعة ، وحققت انتصارات عسكرية مشهودة ، ولذلك وجدنا القلة المستضعفة العزلاء في مكة ، استطاعت بعقيدتها أن تصمد ثلاثة عشر عاماً في مواجهة طغيان كالطوفان .
وهذه العقيدة هي التي جنّدت للرسول صلى الله عليه وآله وسلم جيشاً عِدّته عشرة آلاف، وهو الذي خرج من مكة مستخفياً يطارده كفارها ، ولم يستطع الذين حاربوه طوال هذه المدة أن يصمدوا أمام قوة الاِيمان الزاحفة ، فاستسلموا له ، وأتوا إليه مذعنين ، أو دفعوا إليه الجزية صاغرين .
كان المسلمون يملكون أقوى عُدد النصر ، وهي العقيدة التي تصنع
===============
( 9 )


المعجزات ، التي جعلت من حمزة ـ سيد الشهداء ـ يقود أوّل سرية في الاِسلام في ثلاثين راكباً مسلماً ، لمواجهة ثلاثمائة راكب من قريش على ساحل البحر الاَحمر ، ولم تخرج السرية المسلمة لمجرَّد استعراض العضلات ، بل كانت جادَّة في المواجهة والاشتباك مع عدو تبلغ قوته عشرة أضعاف قوّتها .
ولم يحدث في تاريخ معارك الاِسلام ، التي كان يحرز فيها انتصارات باهرة ومتوالية ، أن كانت قوة المسلمين المادية متكافئة مع قوة العدو ، بل كانت قوة المسلمين من حيث العدد والعُدّة تصل أحياناً إلى خُمس قوة العدو ، ولم يتحقق النصر إلاّ باعتمادهم على المدد المعنوي الهائل الذي تمنحه العقيدة للمقاتل المسلم مع عدم إغفال دور الامداد الغيبي المتواصل ، وبعض العوامل والشروط المادية الاُخرى .
وهكذا نجد أنّ العقيدة هي القوة الاَساسية في كلِّ معارك الاِسلام ، والعامل الاَساس في تحقيق النصر في مختلف المجالات .
وبغية النهوض الحضاري بالفرد المسلم ، لا بدَّ من تذكيره بالمعطيات الحضارية التي منحتها العقيدة الاِسلامية لمن سبقه من المسلمين ، صحيح أنَّ المسلم لم يتخلَّ كلياً عن عقيدته ، ولكن عقيدته قد تجرَّدت في قلبه من فاعليتها ، وفقدت في سلوكه إشعاعها الاجتماعي ، بفعل عوامل الغزو الفكري التي تعرّض ويتعرض لها باستمرار ، وبفعل عوامل الانحطاط والتخلف التي عصفت بمجتمعه كنتيجة مباشرة لابتعاده عن قيم وتعاليم السماء .
وممّا ينبغي التركيز عليه في هذا الاطار :
===============
( 10 )


أولاً : تعريف الاِنسان المسلم بعقيدته الحقة عن طريق منابع المعرفة الصافية .
وثانياً : ترسيخ قناعته بصوابها وصلاحيتها للعصر الراهن ، وإبراز عناصر تفوّقها على العقائد الاُخرى .
وثالثاً : العمل على إعادة دور العقيدة في بناء الاِنسان المسلم ، لتتجسّد في فكره إيماناً عميقاً ، وفي سلوكه عملاً صالحاً وأخلاقاً حميدة، كما كانت تتفاعل عطاءً وجهاداً في نفوس المؤمنين السابقين ومن تبعهم بإحسان .
ولاجل هذه الغاية ، عقدنا هذا البحث الذي يتناول دور العقيدة في بناء الاِنسان الفكري والاجتماعي والنفسي ، وانعكاساتها على أخلاق المسلمين وسلوكهم ، كما سلّطنا الضوء فيه على الدور الكبير الذي قامت به مدرسة آل البيت عليهم السلام من أجل صيانة العقيدة ، والتصدي الحازم لمحاولات تسطيح الوعي التي تعرّض لها الاِنسان المسلم في أدوار سياسية متتابعة .
ولا بدَّ من الاِشارة إلى أننا اتبعنا في هذا البحث «المنهج النقلي» واعتمدنا ـ أساساً ـ على المصادر والمراجع التراثية .
ومن الله نستمد العون والتوفيق .
===============
( 11 )


الفصل الاَول
البناء الفكري


المبحث الاَول : تحرير فكر الاِنسان .
ترتكز نظرة العقيدة الاِسلامية على كون الاِنسان موجوداً مكرَّماً : (ولقَدْ كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البرِّ والبحر ورزقناهم من الطَّيبات وفضَّلناهُم على كثيرٍ ممَّن خلقنا تفضيلاً ) (1).
فهو خليفة الله في الاَرض ، يمتلك العوامل التي تؤهّله للسمّو والارتفاع إلى مراتب عالية : ( وإذ قال ربُّك للملائكة إنّي جاعلٌ في الارض خليفةً قالوا أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونُقدسُ لك قال إني أعلمُ ما لا تعلمون ) (2). كما أن بإمكان الاِنسان أن ينحطّ ويتسافل حتى يصل إلى مرتبة الحيوانية : (... أخلدَ إلى الاَرضِ واتَّبعَ هواه فمثلهُ كمثل الكلبِ إن تحمل عليهِ يلهث أو تتركه يلهث.. ) (3).
ثم يتسافل أكثر فأكثر حتى يصل إلى مرتبة الجماد : ( ثمَّ قست قُلوبُكُم
____________
(1) الاسراء 17 : 70 .
(2) البقرة 2 : 30 .
(3) الاعراف 7 : 176 .
===============
( 12 )


من بعدِ ذلك فهي كالحجارةِ أو أشدُّ قسوة.. ) (1).
وعليه فالعقيدة الاِسلامية تراعي في الانسان عوامل القوة والضعف معاً ، فقد وُصف الاِنسان في الكتاب الكريم بأنّه خُلِق ضعيفاً هلوعاً عجولاً ، وأنه يطغى ، وأنّه كان ظلوماً جهولاً (2).
وعلى هذا الاَساس لا تحاول الشريعة إرهاقه بتكاليف شاقة ، تفوق طاقاته وقدراته النفسية والبدنية ، قال تعالى : ( لا يُكلِّفُ اللهُ نفساً إلاَّ وُسعَها.. ) (3) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « رُفعَ عن أُمتي تسعة : الخطأ ، والنسيان ، وما أُكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، ومالا يطيقون ، وما اضطروا إليه ، والحسد ، والطّيرة ، والتّفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة » (4). وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « رُفعَ القلم عن ثلاثة : عن المجنون المغلوب على عقله حتّى يبرأ ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم » (5).
فالعقيدة الاِسلامية ـ إذن ـ تعتبر عوامل الضعف في الاِنسان حالة طبيعية ناتجة عن تكوينه البشري ، ولم ترها معقدة بالمستوى الذي يفقد الاِنسان معها قدرته على البناء والحركة ، وحرية الاختيار .

____________
(1) البقرة 2 : 74 .
(2) راجع سورة النساء 4 : 28 ، والمعارج 70 : 19 ، والاحزاب 33 : 72 ، والاَنبياء 21 : 37 ، والعلق 96 : 6 .
(3) البقرة 2 : 286 .
(4) الخصال ، للصدوق : 417 باب التسعة ـ منشورات جماعة المدرسين ـ قم .
(5) كنز العمّال ، للمتقي الهندي 4 : 233 مؤسسة الرسالة ط 5 .
===============
( 13 )



وفوق ذلك حاولت العقيدة ـ وهي تريد بناء الاِنسان وتكامله ـ أن تثير لديه شعوراً عميقاً بالجانب الاِيجابي من وجوده .

الخطيئة أمرٌ طارىء
من ناحية أُخرى فإنَّ العقيدة الاِسلامية تعتبر الخطيئة أمراً طارئاً على الاِنسان ، وليس ذاتياً أصيلاً ، وعليه فحين يسقط الاِنسان في مهاوي الخطيئة ، فإنّه لا يتحول إلى شيطان تمنعه شيطنته من العودة إلى رحاب الاِنسانية ، بل يبقى إنساناً مخطئاً يمكن أن يسعى إلى تصحيح خطئه ، والنهوض من كبوته .
وهذا هو سر عظمة النظرة الاِسلامية إلى الاِنسان ، فهي لا تجعله تحت رحمة الشعور بخطيئة أصيلة مفروضة عليه ، كما تفعل النصرانية ، بل هي تسعى إلى انتشال الاِنسان من وحل الخطيئة ، وإشعاره بقدرته على الارتقاء ، وتذكيره الدائم بعفو الله ورحمته الواسعة ، وعدم اليأس منها . ولا يوجد في الاِسلام «كرسي للاعتراف» كما هو الحال في النصرانية، بل يسعى أئمة الدين وعلماؤه إلى ستر عيوب الناس وذنوبهم مهما أمكن ذلك ، لاَن الله تعالى يحبَّ الستر .
عن الاصبغ بن نباتة قال : أتى رجل أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّي زنيت فطهّرني ، فأعرض أمير المؤمنين عليه السلام بوجهه عنه ، ثم قال له : « اجلس ، فأقبل عليّ عليه السلام على القوم ، فقال : أيعجز أحدكم إذا قارف هذه السيئة أن يستر على نفسه كما ستر الله عليه ؟!..» (1).

____________
[size=12](1) من لا يحضره الفقيه 4 : 21 | 31 باب فيما يجب به التعزير والحد ، دار صعب طبع 1401 هـ .
===============
( 14 )


الاِنسان موجود مكرَّم
ومن جانب آخر تحاول العقيدة إشعار الاِنسان ـ على الدَّوام ـ بأنّه موجود مكرَّم ، له موقعه المهمّ في هذا الكون ، من خلال وظيفة الاستخلاف فيه وما عليه إلاّ أن يقوم بأداء وظيفة الاستخلاف هذه على أحسن وجه ، وأن يشكر خالقه على هذا التكريم والتمكين والهداية إلى الدين الحق .
سأل رجلٌ أمير المؤمنين عليه السلام عن حبه للقاء الله تعالى ، فقال : بماذا أحببت لقاءه ؟ قال عليه السلام : «لمَّا رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله وأنبيائه ، علمت أنَّ الذي أكرمني بهذا ليس ينساني ، فأحببت لقاءه » (1).

معالم التحرير
ولقد أسهمت العقيدة إسهاماً فعالاً في تحرير الاِنسان على محاور عدّة، منها : ـ
أولاً : ـ حرَّرت الاِنسان من الاستبداد السياسي ، فليس في الاِسلام استبداد إنسان بآخر ، أو تسخير طبقة أو قومية لاُخرى (فقد كان الدين ، على امتداد التأريخ الاِسلامي ، من أبرز العوامل لظهور حركات التحرر . ومهما تكن نظرة الباحث تجاه الدين فلا يستطيع إبعاد العامل الديني وأثره في بناء الوعي الثوري خلال هذه الفترة من تأريخ الاسلام .
فلم تكن ثورة أبي ذر رحمه الله وثورة الحسين عليه السلام إلاّ منطلقاً لاتّجاه واعٍ لتصحيح الانحراف في تأريخ الاِسلام . ورغم كل الانحراف الذي تعرض
____________
(1) كتاب الخصال : 33 باب الاثنين ـ منشورات جماعة المدرسين ـ قم .
===============
( 15 )


له المسلمون على امتداد تأريخهم الطويل لم ينعدم في فترة من هذا التأريخ اتجاه ثوري قوي في إعادة الاِسلام الى مجاري الحياة والقضاء على الظلم والاستغلال واستعادة حقوق الانسان المسلم وكرامته) (1).
كما حرَّرت العقيدة الاسلامية الانسان من عادة «تأليه البشر» ، كعبادة الملوك والاَُسر الحاكمة ، وهي عادة كانت سائدة عند بعض الاُمم القديمة كالمصريين القدماء ، وقد أبطل الاِسلام نظريات التمييز بين إنسان وآخر ، سواء على أساس الجنس أو اللغة أو اللّون أو المال أو القوة ، ومقياس التفاضل ينحصر في أُمور معنوية هي التقوى والفضيلة ، قال تعالى : (يأيُّها النَّاسُ إنَّا خَلقناكُم مِن ذكرٍ وأُنثى وجَعلنَاكُم شُعُوباً وقَبائل لِتعارفُوا إنَّ أكرمكُم عندَ اللهِ أتقاكُم إنَّ اللهَ عَليمٌ خبيرٌ ) (2).
إنّ الاِسلام يحتل الاَسبقية بإعلان مبدأ الحرية قبل الثورة الفرنسية بأكثر من عشرة قرون .
قال أمير المؤمنين علي عليه السلام في خطبةٍ له : « أيُّها الناس إنّ آدم لم يلد عبداً ولا أمة ، وإنّ النّاس كلّهم أحرار.. » (3).
إلاّ أنّ الاِسلام لم يجعل هذه الحرية الممنوحة للاِنسان مطلقة ، بحيث يُطلق العنان للاِنسان ليفعل ما يشاء ، بل جعل للحرية ضوابط وكوابح حتى لا تؤدي إلى فوضى .
ومن هنا يبرز الفرق الشاسع بين العقيدة الاِسلامية التي تربط الحرية
____________
(1) دور الدين في حياة الانسان ، للشيخ الآصفي : 50 ـ دار التعارف ط2 .
(2) الحجرات 49 : 13 .
(3) فروع الكافي 8 : 69 ـ دار صعب ط3 .
===============
( 16 )


الاِنسانية بالعبودية لله تعالى والخضوع الواعي والطوعي لسلطته ، وبين القوانين الوضعية التي تُلقي بالاِنسان في تيهٍ لا يتفق مع قدرته ولا مع طبيعته .
ومن هنا لا بدَّ من توازن بين الحرية والعبودية ، وليس هناك توازن في هذا السبيل يطلق قدرات الاِنسان ، ويحافظ على طبيعته في آن واحد ، إلاّ بما نجده في الاِسلام ؛ عبودية لله ، وحرية من سائر العبوديات ، فلا تكتمل حرية العبد إلاّ بعبوديته لله.. ولا تكتمل عبوديته لله إلاّ بتحرره من عبادة سواه ، فهنا توازن واتّساق واضح بين الجانب الاجتماعي والجانب الاِيماني في شخصية المسلم عن طريق الحرية كما يراها الاِسلام (1).
وعلى ضوء ما تقدم ، فالعقيدة تُقرِّر حقيقة أساسية هي أنّ جوهر الحرية الحقيقية ، هو العبودية لله ، لاَنّها تعني التحرر من جميع السلطات الجائرة ، وليس في العبودية لله أي امتهان لكرامة الاِنسان ، بل هي على العكس من ذلك تعزّز شخصيته وتحافظ على مكانته ،
فقد كان الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم يتشرف بكونه عبداً لله ، ويحب أن يطلقوا عليه صفة «العبودية» ويرفض الغلوّ الذي قد يؤدي إلى التأليه الباطل ، كما حصل لاَهل الكتاب على الرغم من التحذير الاِلهي لهم من الغلو في أشخاص رسلهم ، قال تعالى : ( يأهلَ الكِتَابِ لا تَغلُوا في دينِكُم ولا تقُولُوا على اللهِ إلاّ الحَقَّ إنَّما المسيحُ عيسى ابنُ مريمَ رسُولُ اللهِ وكلمتُهُ ألقاها إلى مريمَ
____________
(1) معالم شخصية المسلم ، للدكتور يحيى فرغل : 79 ـ 80 ، منشورات المكتبة العصرية ـ طبعة عام 1399 هـ.
===============
( 17 )


ورُوحٌ منهُ..) (1).
إنّ مدرسة أهل البيت عليهم السلام تحارب فكرة تأليه البشر من خلال التركيز على صفة العبودية أحياناً.. قال أمير المؤمنين علي عليه السلام : « أنا عبدالله وأخو رسوله» (2) . وقال الاِمام الرضا عليه السلام : « بالعبودية لله أفتخر » (3). على أن فكرة تأليه البشر كانت سائدة في الاُمم الاُخرى ، وتسرّبت إلى أتباع الاَديان السماوية فخالطت عقائد بعضهم ، فالمسيحية ـ على سبيل المثال ـ تدَّعي إلوهية المسيح، واليهودية تزعم أنّ عزيراً ابن الله !
ومن هنا تبرز حكمة وبُعد نظر الاِمام علي عليه السلام في تركيزه على صفة العبودية ووقوفه بالمرّصاد لكلِّ دعوات الغلوّ التي نسبته إلى الربوبية ، جاء في الحديث : (أنّه أتى قوم أمير المؤمنين عليه الصّلاة والسلام فقالوا : السّلام عليك يا ربّنا ! فاستتابهم ، فلم يتوبوا ، فحفر لهم حفيرة ، وأوقد فيها ناراً وحفر حفيرة إلى جانبها اُخرى ، وأفضى بينهما ، فلما لم يتوبوا ، ألقاهم في الحفيرة ، وأوقد في الحفيرة الاُخرى حتّى ماتوا) (4).
وفي هذا الصدد قال عليه السلام : « هلك فيَّ رجلان : محبٌّ غالٍ ، ومبغضٌ قالٍ» (5) .
ثانياً : حرَّرت العقيدة الاِسلامية الاِنسان المسلم من شهوات نفسه
____________
(1) النساء 4 : 171 .
(2) كنز العمال 13 : ح 36410 .
(3) بحار الانوار 49 : 129 .
(4) وسائل الشيعة 18 : 552 . دار احياء التراث العربي ط 5 .
(5) نهج البلاغة ، ضبط صبحي الصالح ، 558 | حكم 469 .
===============
( 18 )


بعدما ربطت قلبه بالله والدار الآخرة ، ولم تربطه بأهوائه ونزواته ، لقد زودت العقيدة عقل المسلم وإرادته بالحصانة الواقية من الانحراف أو إيثار العاجل الفاني على الآجل الباقي ، والنَّفس ـ في توجهات آل البيت عليهم السلام ـ هي منطقة الخطر ، لذلك تصدّرت أولى اهتماماتهم .
ومن هنا نجد أنّ حديث النفس وضرورة السيطرة عليها يحتل مساحةً كبيرةً من أقوال وحكم ومواعظ أمير المؤمنين عليه السلام ، فلم يترك مناسبة إلاّ واغتنمها في الحديث عن النفس لكونها قطب الرَّحى في عملية بناء الاِنسان .
لقد أخبرنا الذكر الحكيم : (.. بأنَّ اللهَ لم يكُ مُغَيِّراً نِعمةً أنعَمَها على قومٍ حتَّى يُغيِّرُوا ما بأنفُسِهِم ) (1)ولذلك فإنَّ ما يلفت نظر الباحث أنّ الاِمام علياً عليه السلام ـ أيام حكومته العادلة ـ كان يوصي عماله على الاَقاليم وكبار قادته بالسيطرة على النفس ، على الرغم من انتقائه الدَّقيق لهم ، وكون أكثرهم من ذوي الفضائل العالية والسَّجايا الحميدة ، فمن كتاب له عليه السلام للاَشتر لمّا ولاّه مصر : « هذا ما أمر به عبدُ الله عليّ أمير المؤمنين ، مالك بن الحارث الاَشتر... أمَرَهُ بتقوى الله ، وإيثار طاعته... وأمَرَه أن يكسر نفسهُ من الشهوات... فإنّ النّفس أمّارة بالسوء ، إلاّ ما رحم الله... فاملك هواك، وشحَّ بنفسك عمّا لا يحلَّ لك ، فإنّ الشُّحَّ بالنفسِ الاِنصافُ منها فيما أحبَّت أو كرهت وأشعر قلبك الرحمة للرعية » (2).
ومن وصية له لشريح بن هانيء أحد قادته العسكريين ، لمّا جعله على
____________
(1) الانفال 8 : 53 .
(2) نهج البلاغة ، لصبحي الصالح : 427 .
===============
( 19 )


مقدّمة جيشه إلى الشام : « ... واعلم أنَّك إنْ لم تردَعْ نفسك عن كثير ممَّا تُحبُّ ، مخافة مكروه ، سمت بك الاَهواء إلى كثير من الضرر ، فكن لنفسك مانعاً رادعاً... » (1).
ومن كتاب له عليه السلام كان قد وجّهه إلى معاوية ، كشف له فيه عن سر تمرّده على القيادة الشرعية ، المتمثل في انحرافاته النفسية ، فقال له : « فإنَّ نفسك قد أولجتك شراً ، وأقحمتك غيّاً ، وأوردتك المهالك ، وأوعرت عليك المسالك » (2).
فالانحراف النفسي له عواقب جسيمة ، وخاصة من الذين يتصدّون لدفّة القيادة بدون شرعية وجدارة .
وكان أهل البيت عليهم السلام مع عصمتهم المعروفة يطلبون من الله تعالى العون على أنفسهم ، تعليماً وتهذيباً لغيرهم ، وممّا جاء من دعاء الاِمام زين العابدين عليه السلام : « ... وأوهن قوّتنا عمّا يُسخطك علينا ، ولا تخلِّ في ذلك بين نفوسنا واختيارها ، فإنها مختارة للباطل إلاّ ما وفّقت ، أمّارة بالسوة إلاّ ما رحمت » (3) .
ونستنتج من كلِّ ذلك ، أنّه لا يتم بناء الاِنسان إلاّ بالسيطرة على النفس وهو ما سيأتي الحديث عنه .
ثالثاً : إنّ العقيدة الاِسلامية حرَّرت الاِنسان من عبادة الطبيعة ومن تقديس ظواهرها ، ومن الخوف منها ، يقول تعالى : ( ومِن آياتِهِ الليلُ
____________
(1) نهج البلاغة : 447 .
(2) نهج البلاغة : 390 .
(3) في ظلال الصحيفة السجادية ، للشيخ مغنية : 100 ـ دار التعارف للمطبوعات ط2 .
===============
( 20 )


والنَّهارُ والشَّمسُ والقَمرُ لا تسجُدوا للشمسِ ولا للقمرِ ...) (1).
لقد مرَّ الاِنسان بمرحلة الحيرة والتساؤل والقلق من مظاهر الطبيعة من حوله ، فهو لا يعرف شيئاً من أسرارها وأسباب تقلّب أحوالها ، فأخذ يقدّسها ويقدّم لها القرابين بسخاء ، متصوراً أنّه سوف يأمن بذلك من ثورات براكينها الملتهبة وزلازلها المدمّرة وسيولها الجارفة وصواعقها المحرقة ، فعملت العقيدة على تنقية العقول من غواشيها ، وفتحت الطريق أمامها واسعاً لاستثمار الطبيعة والتسالم معها ، عندما رفعت ما كان من حجب كثيفة بين الاِنسان والطبيعة ، وانكشف له بأنّ الطبيعة ومظاهرها وما فيها من مخلوقات وحوادث كلها صادرة عن الله تعالى ، وهي مخلوقات مسخّرة لخدمته ، وما عليه إلاّ أن ينتفع بها ويتفكر فيها وبأصلها حتى يصل عن طريقها إلى الخالق : ( أفلا يَنظُرونَ إلى الاِبلِ كيفَ خُلقت * وإلى السَّماء كيفَ رُفِعت * وإلى الجِبالِ كيف نُصِبت * وإلى الاَرضِ كَيفَ سُطِحت ) (2) .
ولا بدَّ من الاشارة إلى أنّ منهج العقيدة في بناء الاِنسان «منهج شمولي» يُنظّم علاقة الاِنسان بنفسه وبربّه وبالطبيعة من حوله ، وكل توثيق أو تطور في العلاقة بين الاِنسان وربّه فسوف ينعكس إيجابياً على علاقته مع الطبيعة المسخّرة بيد الله تعالى ، فتجود على الاِنسان المؤمن بالخير والعطاء ، لذلك طلب النبي «هود» عليه السلام من قومه ـ الذين ابتعدوا عن منهج السماء فحُبس عنهم المطر ثلاث سنين وكادوا يهلكون ـ أن يستغفروا
____________
(1) فصلت 41 : 37 .
(2) الغاشية 88 : 17 ـ 20 .
===============
( 21 )


ربّهم عما سلف من ذنوبهم ، وأن يتوبوا إليه بتصحيح مسيرتهم وتنظيم علاقاتهم مع الله تعالى ، وحينئذ سوف تنتظم علاقتهم مع الطبيعة فتجود بالمطر والخير ، قال لهم : ( يا قومِ استغفرُوا ربَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إليهِ يُرسِلِ السَّماءَ عليكُم مِدراراً ويَزِدكُم قُوَّةً إلى قوَّتِكُم ولا تَتولَّوا مُجرِمين ) (1).
وعليه فالعبادة الحقة ، يجب أن تكون لله وحده ، والخوف يجب أن يكون من الذنوب ، التي تُثير سخط الله وتجلب انتقامه ، فيستخدم الطبيعة أداة للعقوبة ، كما أغرق الله فرعون باليّم ، وأرسل الريح العقيم التي أهلكت قوم عاد ، وهكذا نجد أنّ أكثر العقوبات التي حلّت بالكافرين قد نُفّذت بواسطة قوى الطبيعة ، مما يكشف لنا العلاقة الترابطية بين الاِنسان والطبيعة ، وفي هذا الصدد يقول الاِمام الباقر عليه السلام : « وجدنا في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. إذا منعوا الزّكاة منعت الاَرض بركتها من الزّرع والثمار والمعادن كلّها » (2). ويقول ولده الاِمام الصادق عليه السلام : « إذا فشا الزِّنا ظهرت الزلازل ، وإذا أمسكت الزكاة هلكت الماشية ، وإذا جار الحكام في القضاء أمسك القطر من السماء.. » (3).
وجملة القول أنّ الخوف الاِنساني يجب أن يتركز على الذنوب والخطايا التي تسبب تدمير المجتمعات ورفع البركات ، أما الخوف من الطبيعة والاعتقاد بأنّ بعض ظواهرها شرور لا تجتمع مع النظام السائد على العالم أولاً وحكمته وعدله ثانياً ، فإنّما هو ناشيء من نظراتهم الضيّقة
____________
(1) هود 11 : 52 .
(2) اُصول الكافي 2 : 374 | 2 كتاب الايمان والكفر ـ دار صعب ط4 .
(3) الخصال ، للشيخ الصدوق 1 ـ 2 : 242 | باب الاربعة ـ منشورات جماعة المدرسين عام 1403هـ .
===============
( 22 )


المحدودة إلى هذه الامور ، ولو نظروا الى هذه الحوادث في إطار النظام الكوني العام لاَذعنوا بانها خيرٌ برمتها ، فللوهلة الاولى تتجلى تلك الحوادث شراً وبلية ، ولكن المتعمّق بها يرى أنّها مدعاة إلى الخير والصلاح ، وأنها تكتسي لباس الحكمة والعدل والنظم ، وتفصيل فلسفة البلايا والشرور في العالم موكول إلى علم الكلام ، ولكن فيما يتعلق ببحثنا نعود ونؤكد بان العقيدة الاِسلامية أعادت صياغة عقل الاِنسان تجاه الطبيعة المحيطة به ، بشكل يجعله أكثر حريةً وتفاعلاً وتسالماً معها .
رابعاً : تحرير الاِنسان من الاَساطير ومن الخرافة في الاعتقاد أو السلوك، من أجل رفع الحواجز الوهميّة التي تحول دون استخدام طاقة العقل على نحو سليم ، وكان الاِنسان الجاهلي على سبيل المثال يتفاءل ويتشائم بحركات الطير ، فينطلق نحو العمل إذا اتجه الطير يميناً ، ويتراجع عن العمل إذا اتجه الطير شمالاً ، وكانت طبقة الكهّان والمنجمين تحتل موقع الصدارة في السلّم الاجتماعي وتخدع الناس بادعائها علم الغيب ، وكان التطيّر يقيد الناس بحبال الوّهم عن السعي والسفر ، وكذا كان الاستقسام بالازلام ، إذ يأخذ من قصد عملاً ـ ثلاثة سهام ـ ، يكتب على أحدها : «إفعل» وعلى الآخر : «لا تفعل» ويترك الثالث هملاً ، ويمد يده ليأخذ أحدها ، فإن خرج الاَول أقبل على عمله ، وإن أصاب الثاني توقّف، وإن خرج الثالث أعاد الكرّة ! وكان السحر متفشياً بين الناس ينذر بشرّ مستطير ، فعملت العقيدة على محاربة هذه المظاهر ، وكانت سبباً لتفتح العقول والسمو بالنفوس ، وإخراج الناس من ظلمات الوهم والخرافة إلى نور العلم والحقيقة..
قال الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم : « ليس منّا من تطيّر ولا من تُطيّر له ، أو تكهّن
===============
( 23 )


أو تكُهّن له ، أو سحر أو سُحر له » (1)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً : « من ردّته الطِيَرة عن حاجته فقد أشرك »(2).
وقال الاِمام الصادق عليه السلام قال : « الطِيَرة على ما تجعلها ، إن هوّنتها تهونت، وإن شددتها تشدّدت ، وإن لم تجعلها شيئاً لم يكن شيئاً » (3).
من جانب آخر حرَّرت العقيدة عقل المسلم من استنتاجات المنجّم ، فاعتبرت المنجّم كالكاهن ، كلاهما يسعيان إلى تقييد حركة الاِنسان في الحياة والتلبيس على عقله..
عن عبدالملك بن أعين ، قال : قلتُ لاَبي عبدالله عليه السلام : إنّي قد ابتليت بهذا العلم ـ ويقصد التنجيم ـ فإذا نظرت إلى الطالع ورأيت طالع الشرّ جلست ولم أذهب ، وإذا رأيت طالع الخير ذهبت في الحاجة ؟ فقال لي : « تُقضى ؟ قلتُ : نعم . قال عليه السلام : أحرق كتبك»(4).
ولا بدَّ من التنويه إلى أنّ مدرسة آل البيت عليهم السلام الاِلهية لا تعيب على النجوم كعلم طبيعي يتطلّع الاِنسان من خلاله على معالم السماء التي تظلّه ليصل من خلال ذلك إلى عظمة الخالق ، ولكن تعيب على البعض ادعاءه التوصل من خلالها إلى علم الغيب .
ومن الشواهد ذات الدلالة لسعي آل البيت عليهم السلام على تحرير الاِنسان المسلم من عادة التنجيم المستحكمة التي أمتدّت إلى عصور متأخرة ،
____________
(1) كنز العمال 10 : 113 .
(2) كنز العمال 10 : 113 .
(3) وسائل الشيعة 8 : 262 .
(4) وسائل الشيعة 8 : 268 .
===============
( 24 )



ماقاله أمير المؤمنين عليه السلام لبعض أصحابه لمّا عزم على المسير إلى الخوارج ، وقد قيل له : إن سرت يا أمير المؤمنين في هذا الوقت ، خشيت ألا تظفر بمرادك ، من طريق علم النجوم .
فقال عليه السلام : « أتزعم أنَّك تهدي إلى السَّاعة التي من سار فيها صُرف عنه السوء ؟ وتخوِّف من الساعة التي من سار فيها حاق به الضرُّ ؟ فمن صدَّقك بهذا فقد كذّب القرآن ، واستغنى عن الاستعانة بالله في نيل المحبوب ودفع المكروه.. ثم أقبل عليه السلام على الناس فقال : أيُّها الناس ، إيّاكم وتعلّم النُّجوم إلاّ ما يُهتدى به في برٍّ أو بحر ـ إلى أن قال لهم ـ سيروا على اسم الله » (1).

____________
(1) نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 105 .

عن مكتبة العقائد : لتعميم الفائدة
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fomac.societyforum.net
 
دور العقيدة في يناء الانسان(بحث تهيء رسالة)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مؤسسة مولاي عبد الله الشريف :: منتدى التربية و التعليم :: مواضع عامة-
انتقل الى: