مؤسسة مولاي عبد الله الشريف
أنت غير مسجل في المنتــــدى لن تتمكن من رؤية الروابط عرف بنفسك
بالضغط على :دخول
او إضغط على:تسجيل--ان كنت لم تسجل بعد--
او الغاء ان كنت تحبد التصف فقط .



 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
باسم الله الرحمان الرحيم ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

شاطر | 
 

 التعريف بالشيخ ابراهيم التازي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
youssra.zin

avatar

عدد المساهمات : 112
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 18/01/2011

مُساهمةموضوع: التعريف بالشيخ ابراهيم التازي   الإثنين 30 مايو 2011, 12:52

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يعتبر الشيخ إبراهيم التازي من أبرز الشخصيات الصوفية والعلمية التي عرفها المغرب الأوسـط خلال القرن التاسـع الهجري/ الخامس عشر الميـلادي، ولاسيما في مدينة وهران. وبالنظر إلى مستواه الثقافي والآثار التي خلفها والنشاطات المتعددة للزاوية التي أسسها بمدينة وهران، وعلى اعتباره شخصية إسلامية من أصول مغربية استوطنت مدينة وهران، فإنه يُعَدُّ شخصية جديرة بالاهتمام والدراسة.

وأحاول من خلال هذه الدراسة التعريف بهذه الشخصية انطلاقاً من العناصر التالية:

ـ حياة إبراهيم التازي: أصله، نشأته، رحلاته.

ـ ثقافته: المستوى ـ المصادر.

ـ منابعه الصوفية: الرجال الذين أخذ عنهم، حضور الطريقة البومدينية (نسبة إلى أبي مدين الشعيب (ت. 594 هـ)).

ـ دوره في الحياة الاجتماعية والعمرانية والثقافية: بعد استقراره في مدينة وهران (مرحلة 833 ـ 866 هـ) وأثر ذلك في نظرته إلى التصوف (دور زاويته في مدينة وهران وضواحيها)؛ إنتاجه الفكري وتلاميذه.


هو إبراهيم بن محمد بن علي التازي أبو إسحاق؛ كما يكنى بأبي سالم، لكنه أكثر شهرة بالكنية الأولى (أبو إسحاق). ويرجع أصل إبراهيم التازي إلى قبيلة بني لَنْت البربرية التي كانت تستوطن منطقة تازا([1]). وبسبب ولادته ونشأته بهذه المنطقة، شهر بالتازي([2]). ونرى أن ما جاء به صاحب "دليل الحيران" بخصوص إبراهيم التازي، يحمل الكثير من الاضطراب. فمن ناحية، يؤكد أصله البربري حينما ذكر أنه كان ينسب للَواتة وهي قبيلة بربرية([3])، بينما يسوق له نسباً آخر يحاول فيه ربطه بآل البيت عبر الفرعين الحسني والحسيني. وفضلاً عن الارتباك في سلسلة النسب، نلاحظ الطبيعة التلفيقية لهذا النسب حيث يذكر:


أبو إسحاق إبراهيم التازي بن علي بن مالك بن عبد الله بن أحمد بن عيسى الرضى بن موسى المرتضى بن عبد الله بن أبي جعفر الصادق بن محمد الناطق بن علي زين العابدين بن عبد الله بن حمزة بن إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه([4]).


وهو نفس ما فعله هذا المؤلف مع محمد بن عمر الهواري حينما أرجع نسبه إلى آل البيت. والظاهر أن التعلّق بآل البيت ومكانتهم في نفوس المغاربة، هي التي كانت تدفع بالمؤرخين والنسابة، أو حتى العوام، إلى ربط كل مَن تَظهر عليه مخائل التقوى والصلاح بأسرتهم الشريفة.

وإذا كانت المصادر لا تتحدث عن تاريخ ولادة إبراهيم التازي، فإنه من المرجّح أن يكون ذلك قد تمّ في مطلع القرن التاسع الهجري([5]).

ويبدو أن إبراهيم التازي كان يتمتع بثقافة واسعة في العلوم الدينية، وهذا ما يتبين من الوصف الآتي:


كان سيدي إبراهيم ـ رحمه الله ـ من أولياء الله الزاهدين وعباده الناصحين المخلصين، إماماً في علوم القرآن، ومقدماً في علم اللسان، حافظاً للحديث، بصيراً بالفقه وأصوله، من أهل المعرفة التامة بأصول الدين، إماماً من أئمة المسلمين([6]).


وإن جزءاً من هذه الثقافة الواسعة كوّنها إبراهيم التازي بوطنه تازا. فبالإضافة إلى قراءة القرآن على الشيخ أبي زكرياء يحيى الوازعي([7]) واطلاعه على دقائق المذهب المالكي من خلال حفظه لـ"مختصر خليل"([8])، فإن إقراءه لكتب الحديث، ولا سيما البخاري، أيام مجاورته للحرم الشريف، واتفاق مشيخة الحرم على تقديمه لصلاة التراويح في رمضان لحسن قراءته دليل آخر على أن إبراهيم التازي كان على درجة لا بأس بها من الثقافة، وهذا ما جعل صاحب "الضوء اللامع" يصفه بالرجل العالم الصالح([9]).

ولكن هذه الثقافة ازدادت ثراء عقب انتقاله إلى المشرق. وهذا ما يظهر من خلال الشيوخ الذين تتلمذ عليهم، وأنواع العلوم التي تلقّاها، ومختلف الإجازات التي حصل عليها. وفي ما يلي جرد لأكبر الشيوخ والكتب التي قرأها، سواء بمكة والمدينة أو تونس وتلمسان:


ـ تقي الدين أبو الطيب محمد بن أحمد بن علي الحسيني الفاسي الأصل، المكي الدار: قرأ عليه الكثير من كتب الحديث والرقائق، وأجازه سنة 830 هـ. وأهم المؤلفات التي درسها عليه هي:


® جميع كتب "الشفا" للقاضي أبي الفضل عياض (476 ـ 544 هـ) ([10])؛

® جميع "الألفية" لجمال الدين أبي عبد الله بن مالك (600 ـ 672 هـ)([11])؛

® الكثير من كتب الحديث كـ"ـموطإ" الإمام مالك بن أنس (ت. 179 هـ)؛ وجميع "السنن" لأبي عبد الرحمان أحمد بن شعيب النسائي (ت 303 هـ)؛

® جميع "رسالة القشيري"([12]). هذا ما ورد في نص الإجازة؛


ـ أبو الفتح محمد بن أبي بكر القرشي الشافعي (775 ـ 859 هـ) في المدينة المنورة، وأجازه عدة إجازات([13])؛

ـ عبد الله العبدوسي (ت 849 هـ) بتونس الذي أجازه وصافحه مصافحة تأكيد الصحبة في رمضان في عام 832 هـ([14]). وهي إشارة إلى انتقال السند الصوفي بين الطرفين.

أما في تلمسان، فأجازه عالمها محمد بن مرزوق (ت 842 هـ)، وكتب له إجازة في هذا الشأن في شهر ربيع الثاني عام 832 هـ([15]).

هذا، بينما يتأكد انتماء إبراهيم التازي إلى مدرسة أبي مدين الصوفية من خلال الشخصيات التي ألبسته الخرقة. فبالإضافة إلى عبد الله العبدوسي المشار إليه سابقاً، نجده قد لبس خرقة التصوف على يد كل من شرف الدين المراغي (775 ـ 859 هـ)([16]) أثناء زيارته للمشرق، لأداء فريضة الحج، وكذلك بالمغرب على يد الشيخ صالح بن محمد الزواوي (760 ـ 839 هـ) بسنده إلى أبي مدين. وتبرك وتتلمذ للولي محمد بن عمر الهواري([17]) (751 ـ 843 هـ).

وبعد هذه الرحلة الطويلة، التي تمثلت أهم محطاتها في بلاد الحجاز ومصر وتونس وتلمسان، استقر المقام أخيراً بإبراهيم التازي في مدينة وهران، والتي يظهر أنه لم يكن قصده الأول الاستقرار بها، وإنما زيارة الولي محمد بن عمر الهواري، لكن أمام إلحاح هذا الأخير على إبراهيم التازي بالإقامة في وهران، استجاب لطلبه، وعزف عن رغبته في العودة إلى المشرق وفضّل الاستقرار بوهران([18]). وقد يكون ذلك مع نهاية سنة 832 هـ؛ وبداية سنة 833 هـ، لأن إبراهيم التازي قصد وهران من مدينة تلمسان التي كان موجوداً بها في ربيع الثاني سنة 832 هـ. كما تذكر المصادر أنه لبث عند الهواري مدة تقارب العشر السنوات. وبما أن الهواري توفي سنة 843 هـ، فهذا يعني أن إبراهيم التازي التحق به في سنة 833 هـ أو في السنة التي قبلها على أقصى تقدير.

وبعدما توفي محمد بن عمر الهواري، انتقل إبراهيم التازي عن زاوية شيخه، وأنشأ هو أيضاً زاوية خاصة به([19]) أخذ نشاطها يتعاظم باستمرار، وشملت اهتماماتها مختلف جوانب الحياة الدينية والعمرانية والاجتماعية.

ففي الجانب الديني الوعظي، واصل إبراهيم التازي نشاط شيخه في وعظ الناس وإرشادهم إلى طريق الحق:


... وأخذ في إظهار ما أقامه الله فيه، وأرشده إليه في دعوة الخلق، وهدايتهم لطريق الملك الحق لا إله إلاّ هو، فأقام سوق الأذكار بوهران، وأبان بها معالم الإسلام والإيمان، ورتّب المواسم الشرعية، ونبّه على الآداب الدينية والدنيوية([20]).


ويتضح من هذا النص أن زاوية إبراهيم التازي تصدرت النشاطات الدينية الرسمية مثل الإشراف على المواسم الشرعية، بالرغم من أن السلطة ـ خاصة مع بعض السلاطين ـ كانت حريصة على الاحتفال بطريقة متميزة بتلك المواسم، مثل احتفال السلطان أبي حمو موسى الثاني (760 ـ 791 هـ) البالغ بالمولد النبوي الشريف، وحرصه على الاهتمام به شخصياً([21]).

أما في الجانب العمراني، فيظهر أن مدينة وهران عرفت، على عهد إبراهيم التازي، نشاطاً كبيراً، وهو ما يتضح من قول ابن صعد:


ونقل أهلها عما كانوا عليه من التبدي إلى الحضارة، فاتسعت فيها وعظمت العمارة، وارتحل إليها كثير من أهل الجزيرة، واغتبطوا لبركة سكناها، واعترفوا بفضلها على من سواها...([22]).


ونجد أن ابن صعد قد بالغ حينما نسب تعاظم هذا النشاط العمراني إلى إبراهيم التازي وحده، اللهم إلاّ ما أشرفت عليه زاويته، وسنشير إليه بعد قليل. والظاهر أن الهجرة الأندلسية كانت لها انعكاسات إيجابية على مدينة وهران وأهلها، لما عُرف به أهل الأندلس من مستوى ونشاط حضاري، ولوضعهم المادي الميسور، مما أتاح لأهل وهران والضواحي فرصة الاستفادة من انعكاسات هذه الهجرة إما بتحوّلهم إلى يد عاملة في هذه المشاريع العمرانية، أو انتفاعهم من العلاقات التجارية التي أقاموها مع الجالية الأندلسية التي فضّلت الاستقرار بوهران. هذا، فضلاً عن ميل سكان الضواحي إلى الاستقرار بالمدينة، والإقامة بها.

ولقد استفادت زاوية إبراهيم التازي من هذا الوضع، وأصبحت تصلها موارد مالية كبيرة في شكل نذور وصدقات، فقامت بتوسيع الكثير من هياكلها العمرانية لاستقطاب هذه الأعداد المتوافدة من الأندلس أو ضواحي وهران. وهذا ما يتضح في قول ابن صعد:


ومن أعظم الدلائل على ولايته الباهرة وكراماته الظاهرة ما أجراه الحق سبحانه على يده من بناء الزاوية البديعة المتعددة الأبواب، والمساجد الأنيقة العالية، والمرافق المعدّة للزوار، وأبناء السبيل، مسجد زاويته نهاية في الفخامة والاحتفال، ومدارسها المشتملة على الميضأة الأنيقة الدارة، والحمام الذي ما شوهد مثله في البلاد... والسطح المظلل بعريش من شجر الياسمين العنبري الرائحة لا نظير لها ولا مثال...([23]).


وإلاّ من أين كان يُنفق إبراهيم التازي على هذه المشاريع العمرانية الضخمة؟

ومن اللاَّفت للانتباه أن هذه المرافق كانت في غاية الأناقة والاحتفال، وهو ما يتنافى مبدئياً مع روح التصوف الداعي إلى الزهد والبساطة في الحياة الدنيا. وقد يكون هذا السلوك من العوامل التي حملت البعض على معارضته وانتقاد تصرفاته:


وقد كان بمدينة وهران جماعة من الجهلة العظام، المتشبهين في فنهم ورياستهم بسَفَلَة العوام، ينتقدون عليه أحواله في لباسه ومأكله، ويحتجون عليه مخالفته لصفات الشيخ سيدي الهوراي في ذلك... فكانوا يُنكرون كرامة الله المُودعة عند سيدي إبراهيم، ويتعرّضون بالقول والفعل لأصحابه...([24]).


وكان يؤثر عن إبراهيم التازي حبه للحلواء والعسل والفواكه التي كان يستهلكها بعد الطعام؛ كما كان يقدمها للواردين عليه([25]).

إلاّ أن الزهد عند إبراهيم التازي كان يحمل ـ على ما يبدو ـ مفهوماً آخر، يختلف عن مفهوم شيخه الهواري الذي كان يعيش حياة بسيطة، وكان زاهداً حتى في اقتناء الكتب. وهذا المفهوم هو امتداد لموقف أبي مدين شعيب الذي كان يرى أن:


الزهد في الدنيا هو اعتقاد حقارتها، وملازمة هوانها، وعدم ركون النفس إلى لذاتها. أما فراغ اليد منها وتركها في الظاهر مع تعلّق القلب بها في الباطن، فليس ذلك من الزهد في شيء ([26]).


ولا شك في أن إبراهيم التازي كان من رجال التصوف الزاهدين، وهو الذي لم يركن إلى الدنيا، ولا ورَّث لأهله شبراً مما كان تحت يده منها على الرغم من سعته. وكل ما بناه وأشرف عليه جعله حبساً على الزاوية([27]). وهذا ـ في اعتبارنا ـ قمة الزهد والصلاح. أما مظاهر اللباس والطعام التي كانت محلّ انتقاد، فلم يحدث حول إباحتها أو منعها إجماع من قبل الصوفية، وإنما اختلف الأمر من متصوف لآخر حسب اقتناعه الذاتيّ، والمسلك الذي اتخذه في هذا الطريق.

لم يقتصر إبراهيم التازي على النشاط الديني والعمراني فحسب، بل تعدّاه إلى الجانب الاجتماعي الذي كان هو أيضاً حافلاً بالمبادرات والإنجازات. ولعل إيصال الماء إلى مدينة وهران اعتبر أهم إنجاز في هذا الميدان، لما كان يعانيه سكان المدينة من نقص حاد في المياه الصالحة للشرب، والمشقة التي كانوا يكابدونها في جلبه من مناطق نائية، وكذلك لدلالته الحضارية. ذلك بأن الماء يعتبر عنصر الحياة:


وأما الماء الذي أدخله لوهران، فهو من غُرر الدهر وحسنات الزمان. وقد رامه من نزل وهران من الملوك وأهل جباية الأموال، فلم يهتدوا إليه وأعوزهم سبيله... حدثني المشيخة من أهل وهران أن سيدي إبراهيم حين أدخل الماء سُرَّ به أهل وهران سروراً ما أدركوه قط، لأنهم كانوا في مشقّة كبيرة من قلة الماء...([28]).


ولا نستبعد أن يكون إبراهيم التازي ـ الذي توافرت له الشروط المادية لإنجاز هذا المشروع المهم ـ قد استفاد من الخبرة الأندلسية في أعمال الهندسة والحفر حتى يتيسر وصول الماء إلى المدينة، خصوصاً وأنه قد جلبه ـ حسبما يبدو ـ من مكان بعيد([29]).

ولم يكن إيصال الماء هو كل ما قام به إبراهيم التازي من نشاط اجتماعي، بل تعداه إلى غيره من وجوه البر والإحسان، خصوصاً حيال الفئات المحرومة من المجتمع:


وكان سيدي إبراهيم محبّاً في الفقراء والمساكين، مؤثراً لهم بإغاثة ملهوفهم، والقيام بشؤونهم، دؤوباً على فعل الخيرات وأنواع الطاعات، حريصاً على إيصال الخير لعباد الله، يحب لكافة الناس ما يحب لنفسه... وكانت الصدقات والنذور ترد عليه من الآفاق، فلا يدّخر شيئاً منها، بل يصرف ذلك في وجهه ويعود به على المحاويج([30]).


وتميزت زاوية إبراهيم التازي بضمان توافر الطعام طوال اليوم للفقراء وعابري السبيل والزوّار، وكذلك إيواء من لا مأوى له. والظاهر أن النشاط المكثف للزاوية وكثرة الواردين عليها ساهمت في إنماء حركة التجارة، لما كانت تقتنيه الزاوية من أطعمة:

تلقيت من الجم الغفير من أهل وهران أن الطعام الذي كان يأتي لزاوية سيدي إبراهيم لم يكن له وقت معلوم على ما جرت به العادة في الدور، وإنما كان يسيل على الدوام من طلوع الشمس إلى صلاة العشاء... وحدثني كثير منهم أنه من حين مات سيدي إبراهيم، قلّ أكلهم لِملاذ الأطعمة في دورهم. قالوا: »لما كان سيدي إبراهيم بقيد الحياة، كنا على أفضل حال في رغد العيش وكثرة الأرباح في التجارة...«([31]).


والظاهر أن وجود زاوية إبراهيم التازي، والنشاطات المتعددة التي كانت تقوم بها، والخدمات المختلفة التي كانت تقدمها، كان لها انعكاسات إيجابية على مختلف الفئات الاجتماعية دون استثناء: فالفقراء والمساكين استفادوا منها من خلال الصدقات التي كان يفرقها عليهم إبراهيم التازي أو الوجبات الغذائية التي كانوا يستفيدون منها؛ والعمال والحرفيون وجدوا في مشاريعها العمرانية والاجتماعية الفرصة للعمل وإبداء مهارتهم؛ والتجار راجت تجارتهم على عهد التازي لكثرة الوافدين على المدينة، ومقتنيات الزاوية من الغذاء مختلف الأنواع.

واستفاد سكان مدينة وهران من الانعكاسات الإيجابية للهجرة الأندلسية التي يظهر أنها كانت بأعداد كبيرة، وعرفوا حيوية متجدّدة، وظهرت عليهم مظاهر الرفاهية في مأكلهم وملبسهم ودُورهم. ولم يكن أصحاب إبراهيم التازي ومريدو زاويته متميزين في ذلك، بل عم سكان المدينة بدرجات متفاوتة.

وبحكم الثقافة الواسعة التي اكتسبها إبراهيم التازي، ولا سيما الدينية منها، خلّف العديد من الإنتاج الفكري. من ذلك ما ذكره ابن صعد من أنه وقف على »الكثير من تقاييده في الفقه والأصول وعلوم الحديث« ([32])، وإن كنا لا نعلم لها مكاناً في دور الأرشيف؛ كما أنها لم تُطبع، خصوصاً وأنها مجرد تقاييد، أي نُقُول مختصرة عن العلماء الذين تتلمذ عليهم، أو الكتب التي انكبّ على حفظها ودراستها. وكان هذا الأمر المشهور في ذلك العصر في مجال التأليف؛ فقلما تجاوزت المؤلفات التقاييد والمختصرات والشروح. لكن يظهر من ميادين هذه التقاييد أنه كان ملمّاً بمختلف العلوم الدينية.

ويظهر أن الإنتاج الفكري المهم لإبراهيم التازي يتمثل في مجموعة القصائد التي نظمها في التصوف والمديح. ويذكر عنها الدكتور محمد المنوني أن بعضها لا يزال محفوظاً ضمن جزء يتضمن: »أذكار الطريقة التازية، مذيّلة بخمس عشرة قصيدة من نظمه مثل المرادية، التازية، الجمالية... موجودة في "ثبت البلوي"، نشر دار الغرب الإسلامي، 1983« ([33]).

هذه القصائد أفرغ فيها التازي مختلف تجاربه وحِكمه في قالب صوفي. ولعل من أهم تلك القصائد القصيدةَ التي نظمها بعد عودته من بلاد الحجاز، وعبّر فيها عن حنينه وشوقه للعودة إليها ثانية، ومطلعها:


مَا حَالُ مَن فَارَقَ ذَاكَ الْجَمَالِ

وذَاقَ طَعْمَ الْهَجْرِ بَعْدَ الْوِصَالِ([34])


وكذلك القصيدة المشهورة بالدالية، والتي سماها بـ»النصح التام للخاص والعام«، وهي في نصح المسلمين، محذّراً من أشياء ومرغباً في أخرى، ومطلعها:


إِنْ شئْتَ عَيْشاً هَنِيئاً واتِّبَاعِ هُدًى

فَاسْمَعْ مَقَالِي وَكُنْ باللهِ مُعْتَضِداً([35])



إن دراسة هذه القصائد بدقة يكشف عن جانب كبير من الفكر الصوفي لإبراهيم التازي، والموضوعات التي أثارها، ومساره العام. وكانت بعض هذه القصائد محلّ شروح من قبل مؤلفين متأخرين، مثل »القصيدة المرادية« التي شرحها محمد الصباغ القلعي في القرن العاشر الهجري تحت عنوان: "شفاء العليل والفؤاد في شرح النظم الشهير بالمراد"([36]).

وقد تتلمذ على إبراهيم التازي عدد كبير من الطلبة، وهو الذي ظل يشرف على شؤون الزاوية التي أسسها مدة لا تقل عن ثلاث وعشرين سنة، أي من سنة 843 هـ إلى سنة 866 هـ. إلا أن المصادر لا تحتفظ إلا بأسماء عدد محدود منهم، على الرغم من أنهم كانوا من كبار العلماء في ذلك العصر مثل: »الحافظ التنسي (ت 899 هـ) والإمام السنوسي (ت 895 هـ) وعلي التالوتي (ت 895 هـ) وأحمد زروق (846 ـ 899 هـ) وغيرهم« ([37])، وآخرين لم تسمهم ممن كان لهم الباع الطويل في الحياة الأدبية والصوفية لبلاد المغرب الأوسط.

وكانت وفاة إبراهيم التازي يوم الأحد 9 شعبان 866 هـ، ودفن بزاويته في مدينة وهران([38]). وبقي ضريحه بها مدة خمسين عاماً. ولما احتلها الإسبان، نقل تلامذته رفات شيخهم إلى القلعة (قلعة هوارة أو بني راشد) حيث أعيد دفنها؛ وأقيمت حول ضريحه بناية محترمة([39]).

وإذا كنا نتفهم مغزى تحويل ضريح إبراهيم التازي من مدينة وهران بعد وقوعها في يد الإسبان، فلماذا كان هذا التحويل إلى مدينة القلعة بالضبط ولم يكن إلى مكان آخر؟ ولماذا لم يتم تحويل ضريح محمد بن عمر الهواري هو أيضاً إذا كنا نعتقد أن قبرهُ لا يزال بوهران؟



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
التعريف بالشيخ ابراهيم التازي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مؤسسة مولاي عبد الله الشريف :: منتدى التصوف السني :: الزاوية الوزانية-
انتقل الى: